السبت، 24 أكتوبر، 2015

مهر عليا

استيقظ في الصباح الباكر على قرقعة سماعة المسجد القريب من منزله، نهض من فراشه وتوضأ بماء بارد ارتجف قليلا، سمع المؤذن يقيم الصلاة فهرع إلى ركنه الخاص وصلى،  أعد ثيابه وارتداها، تفقد المكان شبراً شبراً، توجه إلى الباب فتحه وخرج مسرعاً قبل أن يرتجف قلبه عطفاً على الصغار الذين تركهم وراءه، كان يسرع في مشيته وصوت الرصاصات التي يحملها يدابع مسامعه، فتتحول الأمنيات كلها إلى لا شيء  كلما تذكر أن العم أبو فيصل قال له: روح يا ابني ربي ما يردك خايب.

كان صوت قدمه ونفسه والريح والرصاصات يسكت في رأسه صوت صالح وريحانة وأحمد وياسمين، ويقول في نفسه: هاظ الواجب يابا عشان تعيشوا بكرامة، لم يعد سعيد بعد دقائق ينقل خاطره بين أولاده وتلك المهمة التي قد تكون الأخيرة، فهو يدرك إن عاد هذه المرة عليه أن يأخذ أولاده في رحلة إلى المدينة الكبيرة، ويشتري لهم ما طلبوه، وبذلك لن يتمكن من أن يخبأ ما اعتاد أن يخبئه من أجل حلم طفولته،  سيعود ليفلح الحقل وعليه أن يتشاجر مع صاحب المشروع الذي يريد أن يشتري أرضه ليكمل بناء مشروعه، عليه إذاً أن يتمكن اليوم من تحقيق ما يريده لعله يحقق تلك السعادة، يريد سعادة تامة حقيقة.

وبعد أن استيقظ من هذه الدوامة وجد نفسه على سفح الجبل، اتكأ على جذع شجرة زيتون رومانية كبيرة،  أخرج الرصاصات من جيبه وأعد مخزن البارودة التي اشتراها من مهر زوجته، فهي ثلاثة مخازن لا غيرها استطاع أن يحصل عليها سعيد بعد عناء لبارودته.

سعيد الذي أحب عليا في صغره وكتب لها الشعر واعتاد أن يلحقها من المدرسة إلى المنزل ذلك الشاب الطائش الأزعر، الذي اعتكف عن الطعام والشراب لأجلها حتى تزوجها، اليوم هو أب لأربعة أطفال وزوج لحبيبته عليا، هو الآن يترك عليا هي وأطفالها ويحلم بأن يحلق عالياً في السماء، سعيد الآن يحاول أن يجيب لصالح على سؤال يابا شو يعني وطن؟ يحاول أن يقدم لريحانة ما يكفيها من مواضيع تعبير عن فلسطين كي تسمح لها معلمة اللغة العربية بالمشاركة في المسابقة، فهو لم يستطع أن يفعل شيئاً حيال جشع المعلمة، عندما قالت لريحانة: شو فهمك انتي في التعبير بحكيلك اكتبي عن فلسطين، مش عن القمح والشعير ولا عن البدودة ولا عن البيدر، بدك أحكيلهم تشميل وتغمير في الوزارة! روحي يا بنتي الله يهديكي ويهدي أهلك، واحكي لابوكي ما يقترح عليكي مواضيع مرة ثانية، في حينها ذهب سعيد محتجا على أسلوب المعلمة فقالت له روح أول اشي غير أوعيك وتعال احكي مع ولاد الاصول، ويتذكر وقتها قال: ولاد الأصول، ولا ولاد خدم الإدارة المدينة بتفرق، إذا بدي أحكي مع ولاد الأصول بيطلعوش عليي هاي النظرة واوعيي واوعيهم من نفس الخياط واكلي واكلهم من نفس الأرض ودمي ودمهم ما نجسه نجس ابن نجس مثل أبوكي، كانت هذه المشادة سبباً في منع سعيد من دخول المدرسة مرة أخرى كما أنها كانت سبباً في منعه من الخروج من بيته لثلاثه أيام، لكنه رفض الانصياع لأوامر أجهزة الأمن في قريته وخرج يزرع حقله، وسار وهو يقول " فش ابن مرة بيقدر يمنعني ما أزرعش أرضي، واذا هاظ الزمن فيه بينحط واطي لولاد الادارة المدنية وروابط القرى فهاظ الزمن ع حالة مش عليي أنا زماني زمان ثاني".

وبعد ما تذكر كل هذا، جلس هادئ ينتظر موعد خروج الحافلة الطقس البارد والجو الضبابي أفضل أوقات العمل حيث يرغم البرد الكل على التفكير بأجسادهم، بدفئهم، بكسلهم، وبجشعهم الدائم للعيش والحياة للأنانية التي تخرج دفعة واحدة وتصبح كصراع البقاء مع الكل مع الشجر والبشر والحجر، جال بصره هنا وهناك وإذا بالحافلة تتقدم، هرول مسرعاً نحو الأسفل أصبحت المسافة مناسبة جداً أعد سلاحه ووضع يده على الزناد وهو يردد "يا رب أنصر عبدك"، لم يعد يسمع شيئاً بعد أول طلقة، توقف كل شيء لما يعد يدرك شيئا سوى أنه يضغط على الزناد ويرشق الحافلة بمخازن من رصاص حتى فرغت المخازن الثلاثة، وعلا دخان كثيف من الحافلة التي أصبحت تترنح على الشارع حتى أنها اصطدمت بصخرة وسقطت في الجرف.

 لملم سعيد أغراضه وهم بالعودة أخذ يمشي بسرعة مرة وببطء مرة والسماء الغائمة تمطر والجو يزداد سوى،  ولكنه استطاع أن يرى أضواء خافته على مقرونة منه اتجه نحوها ببطء وعيناه تزداد بريقا ولمعانا، اقترب من الضوء الذي بدأ يكثر شيئا فشيئا وعلى بعد أمتار سمع صوت غريب يقول له سلم اسلاحك، لم يكترث سعيد للنداءات المتكررة حاول ان ينظر حوله لكنه محاصر تمسك بالبارودة حاول أن يخبئها في معطفه الرث لكن ما هي سوى لحظان حتى أحس بدفء ثقيل يخترق جسده رويداً رويدا، ورجليه تثقل وهو يسقط أرضا حتى سقط كله وباردوته في يده هاي مهر عليا يا كلاب بموت ولا بتوخذها.

استفاقت عليا على صوت طرقات قوية، أحست بالفزع هرعت تفتح الباب، وإذا بجيرانها متجمهرين أمام الباب، لم تسأل ماذا حدث فهي تنتظر هذه اللحظة منذ أول عملية قنص ذهب اليها سعيد، هي كانت تقول له كل ليلة "لو بس قبل ما تروح تصحيني أودعك" فيرد عليها "ما أنا برجع دايماً برجع لليش تودعيني – ولا ما بدك اياني ارجع – بعدين لو ارجعت محمول ما أنا راجع وإذا مش عشانك عشان لولاد،" لم تكن عليا تنام بل تبقى مستيقظة توهم سعيد انها تغط في سبات عميق لكنها كانت تبقى مستيقظة، وكانت تنظره حتى يعود فيهدأ قلبها، كانت تعلم أنها يوما ستنتظره وسيعود للمرة الأخيرة، وهذا ما حدث هذه المرة.

وما انتهى العزاء وانفض سكان القرية عن البيت، بعد أيام معدودة جلست عليا تفكر بالبارودة، كيف تسترجعها أحست بحرقة شديدة، بألم يخنقها، لم ترد لأبنائها ملاحظة أي شيء مسحت دموعها وجلست بينهم تروي لهم قصص، وما هي إلا أيام قليلة  كانت عليا منشغلة ببعض الأعمال المنزلية بعد أن عادت من الحقل وأطفالها حولها يدرسون ويلعبون، وإذا بها تتفاجأ بضيف غريب يتنحنح، نظرت اليه نظرة استعلاء وقال: خير شو الي جابك؟ قال لها بنبرة خبيثة جيت أزور ولاد الشهيد ومرته وأطل عليهم إذا عايزين اشي، ردت عليه قائلة من وينتا بنعوز أشكالك أصلا، قالها أرملة وفش الك ظهر والسانك طويل، عموماً مش مشكلة بس أنا جيت رايد الخير بيعيني أرضك، وخذي مصاري اشتري دار مثل العالم والناس، وأمني مستقبل أولاد لبكرا وبلا عناد، تقدمت نحوه وعندما اقتربت انزلت المكنسة على رأسه ضرب، ولك إفهم بدناش نبيع الأرض وأطفالها حاصروه يضربوه بكل قواهم، استطاع أن يفلت نفسه وخرج مسرعاً، استمرت المحاولات المختلفة لشراء الأرض بأي ثمن، لكنها لم تفلح.

ذات اليوم والأم والأطفال يحصدون البيدر، تفاجأت الأم بسيارات كثيرة تصطف في الطريق الزراعية القريبة من حقلهم، نزل منها رجل الأعمال ومعه مجموعة من الحراس ورجالات الأمن، اقترب منها وقال لها: هي أمر رسمي إني اشتريت الأرض وانك بعد ما تخلص حصيدة اليوم بدي اوخذها وما أشوف وجهك هين فاهمة، صاحت في وجهه لا والله بعيد عنك بفهمش وبديش ادشر الأرض وهالورقة بلها واشرب ميتها، ضحك ضحكة خبيثة وقال لها وهذول الي معي رح يفرجوكي شغلهم، تقدم نحوها ثلاثة رجال تفاجأت أن من بينهم صديق قديم لزوجها، قال أحدهم شو يا عليا بدكش تبيعي الأرض بالمنيح هي اشتراها بالزور اطلعي بالمنيح أحسن لنطلعك بالزور، نظرت اليهم وقال ولكم انتو عماد ووائل وشكري يا حيانة الخبز والملح مش طالعة وبلطوا البحر، واذا بشكري يضربها بكعب بارودته فتسقط أرض والاطفال واجمين لا يتحركون، نظرت الي البارودة وصاحت ولك بتضربني بالبارودة مهري، مش هاي البارودة الي قلتوا انهم أخذوها اليهود، تقدم نحوها وائل وقال لها إطلعي بالمنيح احسنلك ولا بدك نحرمكم هالولاد، اطلعي وخلصينا.

نظرت عليا إلى أطفالها وقالت يلا يما تعالوا، بس قبل ما أروح بديش مصاري ولا بدي دور ولا بدي إشي أعطوني هاي البارودة،  تعاركت مع وائل وهي تحاول سحبها، حاول أن يمنعها نظر اليه صاحب المشروع وقال له اعطيها اياها وبنشتريلك وحدة بدالها  المهم تحل عنا، ترك وائل البارودة بينما مضت عليا واطفالها بالبارودة وهي تردد قائلة " بارودته بايد الدلال اريتها لا عاش قلبي ليش ما شريتها بارودتها لقطت اصداع قرابها لقطت صدا واستوحشت"