السبت، 12 أبريل، 2014

مليونير الهند المتشرد ونجم فلسطين اللاجئ الحكاية المشوهة

يوماً ما كان هناك مجدٌ يذيل الطرقات لأسماء أشخاص إما بعمامات نسبوها للأزهر الشريف أو طرابيش نسبوها للآستانة أو قبعات نسبت لأوروبا.. من هذه الطريق سار معاً كل من المفتي ومعارضيه وكان الطريق معبداً بنصوص تملأها الأخطاء الإملائية والنحوية لان كاتبيها كانوا تلاميذ الكتاتيب النجباء. هؤلاء التلاميذ أشعلوا ثورة القسام... الطريق المرصوفة بعذابات وكلمات وويلات شهداء الثورة وأمهاتهم وأطفالهم. تسطر حكاية ذلك الشيخ الذي كلما جلس وتحدث الى الناس، اتسعت أحداق الفلاحين دهشة وفخرا وعزة فراحوا يتمردون... سقط سهوا من النص المليء بالأخبار والأحداث والوقائع ذكر الثورة بما تستحق ... على هيئة كل ما كاتبوا ضاعت الكوفية فكيف نبحث عن الرواية للجبل والسهل والوادي والنهر... رائحة البارود في ذلك الوقت كانت قوية لكنها تطايرت مع الريح ... فمن المجرم ومن الضحية من البطل ومن الخائن... إن كان هنالك من أضرم النار في صكوك ملكية الفلاحين للأراضي من السهل والوادي والصحراء ... فهناك مكان قد مضى وهناك مكان قد مضينا إليه وبين المكانين حكاية على هامش العمامات والطرابيش والقبعات.

إنها قصص الرصاص المهمشة، فقبل أن نعود ونصلي في المكان علينا أن نخطف الطائرات لنعود بشرف الرصاص والدم المسفوك والأرض التي استباحتها الرواية، فصارت الذاكرة كهله لحمل تلك التفاصيل، هل الثوار أرقام في سجلات الحاكم العسكري فقط؟  أم أن الثوار هم أولئك الأشخاص الذين لم يعرفوا يوما أن فنادق القدس وسفاراتها كانت تتآمر عليهم يوميا، طُويت الصفحة لا مناقشة بين السادة والثوار، فالسيد إما طريح الأحلام أو طريح الأوهام أو قتيل برصاصة تحمل حلم سيد آخر. أما الثائر فقد توسد البندقية ويحلم بالمواجهة.

مليونير الهند المتشرد:

في حالة اقرب لكون السذاجة ترافق البريق الكبير، الذي يلازم فوضى وارتباك الفضائيات العربية الكبرى، حدث في مثل أي يوم عادي، ان كان هناك صبي هندي حلم أن يصبح مليونيرا فأصبح. رقص في محطة القطار رقصة النصر، فحاز البطل هندي الملامح على جائزة الأوسكار، ومضى الى حلمه مختالا "ضحكتله الدنيا"، ذلك الفتى ذو الوجه الشاحب الذي يلتصق بالوحل أوحى لكل المشاهدين أن الهند قبيحة وجشعة وظالمة ومتخلفة، كما ألهم المخرج البريطاني ولجنة التحكيم الأمريكية، ضرورة أن يصدح صوت المهمشين.

لم تتوانى (الام بي سي) أن تنفرد بعرض الفيلم بعد حصوله على جائزة الأوسكار في عام (2008) حتى أصبح هذا العمل الهندي- البريطاني من أهم ما يعرض للتعريف عن الهند والحلم والواقع والخيال. وكأن الهند سابقاً ولاحقاً ومستقبلاً، هي الهند السمراء ذاتها التي لا تنفك بوليود وهوليود أن تتحدث عنها، وكأن الهند لاشيء فيها سوى الفقر والمرض والعصابات والاحتفالات التي تجمع الفنانين والساسة، الهند المطبِعة والهند المطيعة والهند الفقيرة والهند المتخلفة، إذا هذه هي الهند على الشاشة.

وأغرقت الهند بما لا تحمل من ذاكرة تجعل العالم كله ينظر بدهشة وقرف، كيف لبسيط يعمل في شركة خليوي أن يصبح مليونيرا بسبب برنامج تلفزيوني، هذا الإصرار الذي حول كل مشاهد الفيلم بصورة هندية نمطية خالصة ، وضاعت قبائل البنغال بكل تفاصيلها فيه، فحطام المسخ الذي قدمه المليونير المتشرد حول الهندي الى إنسان حالم بالخلاص وباحتفاء السيد الأبيض به.

نجم فلسطين اللاجئ:

في حالة لا تختلف كثيرا عما سبق، يترنح المخيم على أنغام رواد رعد، فتصبح الدبكة الفلسطينية أجمل مشهد يشفي ضمير علي جابر، وكأنه يكفر عن واقعة موت الفلسطينيين برصاص جعجع؛ المرشح للرئاسة اللبنانية بدعم سعودي، من خلال إدخال البهجة لقلوب الفلسطينيين، في أنحاء المعمورة بصوت محمد عساف، الذي عاش ضرباً من حكاية المليونير المتشرد، فسار الى حلمه حاملاً معه فلسطين الصورة، وحنجرة شجية، وغنى وأطرب، فطرب الكل من أقصى اليمين وأقصى اليسار في فلسطين والوطن العربي.  انتصر عساف وفرح الفلسطينيون وتأثر العرب، فعادوا يعرفون فلسطين من خلال يا طير الطاير، وعلي الكوفية ويا حلالي ويامالي.

 نزار فرنسيس المتربع على عرش كتابة الأغاني اللبنانية بأطيافها المختلفة كتب لعساف يا حلالي يا مالي، تمنيت للحظة لو أن الأرض تنشق لتبلع كل مؤلف أغان، يا حلالي ويا مالي الفلسطينية مش هيك !!، وكَمنّة وهبة من الدولة اللبنانية، تم تصوير أغنية عساف في برج البراجنة فبدا أن (الام بي سي) تسعد الملايين من الفلسطينيين في العالم، على الرغم من أنها  لم تكترث بحصار مخيم اليرموك قبل أشهر من إطلاق هذه الأغنية.

    يغني عساف للوطن والشعب والقضية، فتهتز قلوب الملايين، فلماذا كل هذا التسليع لفلسطين والمخيم والتراث الفلسطيني، بمعنى آخر؛ " بكفي حلّوا عن فلسطين"، عساف نجم عربي فلسطيني، " هو حر بس فلسطين مش بلده لحاله ومش حر فيها"، احتفلوا في عساف مثل ما بدكم بس عساف اللي مننا" هو عساف صاحب أغنية يا سرايا القدس وليس أغنية يا حلالي يا مالي، نعم أنا أحد الفلسطينيين غير المرحبين أبداً باجتياح الام بي سي  لثقافتنا وتدجينها وتزينها،  ولا يسعني الا ان اقتبس ما قاله خالد بركات:

 "محمد عساف في البومه الاخير طالع نصف مسكين ونصف مسخرة . ارجو ان لا يزعل منا احد. لكنه استنساخ لنموذج " الحلم الامريكي" للسود الفقراء، لكن في اسوأ صوره الفلسطينية. ان هذا الجمع الغريب بين المخيم وبين ثياب تلمع، وحذاء عجيب، ويا حلالي يا مالي ، تنتج ب مايكل جونسون عساف. لانها مسخ للتراث وللمخيم في ان واحد. ويا حلالي يا مالي بدنا عساف الفلسطيني. عساف الفنان، ولا نريد اعلان تجاري".

 لم أشعر بالراحة عندما اختال فيلبو غراندي مفتخرا أن الأونروا استطاعت أن تكون سببا في إنتاج نماذج فلسطينية مشرفة أهمها الشاب الناجح محمد عساف، على هامش حديث غراندي في بيرزيت وهو يلقي خطابه الأخير مودعا الأونروا والأكاديميا الفلسطينية كشخصية رسمية، تساءلت في نفسي ما هو مقياس النموذج للنجاح، محمد عساف والحلم الواعد في ليالي الطرب وانس العرب، وزمن شهريار وشهرزاد، في حين أن أبطال المعركة والمواجهة هم على رصيف الحلم وبين ركام هامشية التواريخ والأرشيفات، كيف يغدوا الحلم حلما أن كان بلا واقعة في فلسطين، تلك المساحة الضيقة التي يدبك فيها عساف داخل مخيم برج البراجنة تضجر من كل ذلك التشويه المستمر للذاكرة، نحن نحمل الرصاص أيضا فهل غاب عن ذهن غراندي صورة المقاتلين في عشائهم الأخير، وألم يكن حمزة أبو الهيجا ورفاقه نموذج مشرف، أم أن تماهي الأكاديميا والأونروا والام بي سي في مشهدية ذاكرة الفلسطينيين هي من سمحت لإحدى المحاضرات الأمريكيات  التي قدمت نفسها على أنها خبيرة في التاريخ الشفوي للانتفاضة الثانية أن تطلق حكم مفاده "أن الأطفال الفلسطينيين الذين عايشوا أحداث الانتفاضة في الغالب ضحايا عنف ويعانون أمراض وارتباكات نفسية ويسعون للتعايش مع واقعهم بشتى الطرق فيكونون بذلك أطفال أبطال."

بئس ما تقدمه الأكاديميا وتذيله الأونروا، إن الثوار خارج السرب يغردون يتمردون وفي الواقعة إما يستشهدون أو ينتظروا الواقعة القادمة كي يستشهدوا.

بغداد آخر الضحايا حتى اللحظة

على الطريق المماثل نجحت الام بي سي  بانضمام العراق لجوقة الأماكن المشمولة بالحماية والرعاية، وغداً ستكون بغداد وستار سعد، أهم سلعها لتتربع على عرش أهم قنوات الشرق الأوسط، لتربح الام بي سي ويفرح الوليد إبراهيم، وينبسط علي جابر، ويحترق الشعب العربي "بكاز وسخ، طول ما الغلة منيحة".

عذرا لثوار تلك البلد "الام بي سي بدها تربح"،  "فالبارودة الانجليزية" التي أسقطت الطائرات في بغداد، والصواريخ التي كسرت صمت الثأر، فثأرت في غزة، والمعرفة التي يتعلمها التلاميذ الهنود بعيدا عن ضوضاء العولمة، لا يسعها ان تكون تحت منظار دوائر استطلاع الرأي والإحصاء، في إدارة مبنى الام بي سي في دبي، وأخيراً، وفاء الكيلاني وبرنامج قصر الكلام لا يستطيع أن يحاور رجل ثورة واحد، فلا متسع  من الوقت،أمامه ولا مساحة من الكلام تكفي  ليكون ضيف خفيف على برنامج يحاور ليساهم في إغراق البشر في وهم السعادة.

في ارتباك الاحلام وتلاقي الاوطان كحالات فيها يخرج الابداع من بؤس التاريخ والحاضر على الشاشة لانتاج واقع مزيف يغلفه جشع الوليد ابراهيم ... هل سألتم فلسطين والهند والعراق ومصر عن آرائهن في ضبابية المشهد و وقاحة الطرح؟. من المؤكد لا، وكأن العودة الي زمن اختيال العمامات والطرابيش هو الشيء ذاته الذي تنجح وسائل الاعلام والاكاديميا والمنظمات التي القت على عتقها واجب اطعام الفلسطينيين المتشردين في فلسطين والاردن ولبنان وسوريا، وهو الزمن ذاته ايضا الذي يضع فيه الشهيد ببندقيته حجر الاساس لذاكرة ابطال مضوا على خطى القسام،بعيدا عن ركاكة صورة الناحج والفاشل البطل والضحية التي تقدما الرواية الرسمية ليتحقق القول :

كان لا يفكر بقوته غدا لانه ينام وتحت رأسه بندقية ... ويركض الى حلمه بالشهادة في كل مداهمة


* الشكر الجزيل للاستاذ خالد بركات على النص الذي تم اقتباسه في المدونة.
سمر عزريل 
12/4/2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق